أبو مريم ، أبو حية ، خالد أبو العمايم، أبو مريم ، هذا العاشق الذي أورده عشقه المهالك، إذ قتل زوجته ، حبيبته التي صارع ليتزوجها ،حين اكتشف أنها تخونه مع أحد رفاقه"خالد أبو العمايم"،وقتل معها ابنته أو ابنتها بالأصح،فهرب هو، وهرب غريمه،كلاهما كان خائفاً من الآخر. لكن الأيام لا تخبئ أحداً، إذ ينزح كلاهما من الطائف إلى جدة،حيث عمل أبو مريم عاساً، "العسس هم الذين يحمون الحارات قديماً من اللصوص"،وعمل أبو العمايم مأموراً في الحي نفسه ، بعد مدة طويلة من الزمن. فيلتقيان من جديد،إذ وشى بأبي مريم صديقه أبو حية "عبد الله الفسيني" الذي ائتمنه أبو مريم على سر هروبه ، لكنه غدر به ، حيث قايض أبا العمايم على أن يترك حبيبته مها ولا يخطبها لابن اخيه ،فسايره ، حتى يقبض على أبي مريم، وفي موقف يصف اللقاء بين الغريمين،يقول خالد موجها كلامه لأبي مريم : " ألا ترى أن الدنيا صغيرة؟ أمضيت كل هذا العمر أنتظر رؤية ابنتي مريم، وأخيرا أسمع أنك قتلتها"، ثم لا يتردد في إقامة القصاص على أبي مريم ، ليس عدالة بل انتقاماً، و بعد ذلك ،يغدر المأمور أبو العمايم بأبي حية، ويسجنه ، ويهينه،ويزوج ابن أخيه من محبوبته ، فينتقم منه أبو حية ، إذ يترصد له ، ويقتله. ثم يُقتل أبو حية في منظر مهيب ، يجيد عبده خال وصفه وتصويره. " وقبل ان يكمل جملته كان السياف قد ضرب هامته ضربة لها خشخشة العظام المهشمة، فجلس على مؤخرته ومالت رقبته على جنبه الأيمن، فتحشرجت كلمات كانت تهم بالخروج حين كان الدم يشخب من بلعومه وعندما حاول النهوض ،أتبعه السياف بضربة جعلت رأسه يتدحرج جوار أقدام الواقفين فيما ارتفعت زغرودة عالية من امرأة كانت تقف خلف المتجمهرين وتبعتها بنواح مرتفع وهي تصيح: يا من لا يموت ارحم من يموت".
إن العنوان يتكئ على الزمن بوصفه بعداً مهما في إيحائه،وفي نسيج الرواية أيضاً. وبعد الزمن بعد معادل للمكان،فكما وجدنا أهمية للمكان في مدن تأكل العشب ، نجد أهمية للزمان هنا ، إضافة لعنصر المكان أيضاً الذي لم يهمله الروائي أبداً. إن عنصر الزمن هو عنصر مهم في بناء الرواية، وكثير من التقنيات السردية تنطلق منه ومن المعروف أن الرواية عادة تتناول فترة زمنية طويلة، قد تمتد إلى عدة أجيال. وموقف الانسان تجاه الزمن- كما يقول د، عبد الحميد جيده- موقف قديم يرى فيه الأشياء تموت وتنبعث تتحجر وتتحرك ،وتنعكس هذه الرؤية عليه ليتأمل ذاته ومتغيراتها من ميلاد وكهولة وشيخوخة وموت . والزمان – على حد ما يصف ميرهوف-لا ينفصل عن مفهوم الذات ،لذلك له مغزى خاص بالنسبة للإنسان . فـ عبده خال هنا، يوظف كل هذه المعطيات،إذ لا يكتفي بهذه الأهمية لعنصر الزمن في البناء، إذ يتكئ على طول الزمن في خلق دهشة يلقيها العنوان ، وتسندها الرؤية في الرواية. " الأيام لا تخبئ أحداً" الثلاثة كلهم ، تشابكت مصائرهم وتشابكت المواقف والأحداث بينهم.. ورغم طول الزمن الذي فصل بينهم إلا أنهم التقوا في النهاية، ورحلوا الواحد تلو الآخر ، كل واحد بيد الآخر، رحلوا في ظروف غريبة ، وفي أجواء انتقامية، .. رغم طول الزمن ، إلا أن الأيام عرتهم، وكشفتهم في النهاية. ولنلحظ صيغة التنكير في "أحداً"،وصيغة التعميم فيها أيضاً،ونتأمل ما تلقيه في أنفسنا من إيحاءات شاسعة.. إنها نتيجة منطقية لهذه الأيام التي لا تخبئ أحداً ،وكأن العنوان يقول النهاية..
ملحوظة: استفدتُ في مفهوم الزمن في الرواية بشكل عام من: النقد الأدبي الحديث ،د/ حلمي القاعود، تقنيات السرد/ آمنة يوسف |