آه ... لحظة كنت قد حلمت قبل يومين بحالة موت في أسرتها: أمها تبكي بحرارة ..وأنا أنكب عليها باكية .. لكنها لم تكن الميتة بل أخوها.... كان ذلك حلما حقيقيا.....
ألتفت إلى آنية بها ثلاثة أزهار ، تتماوج ألوانها ، وتتحرك أوراقها برقة مع نسمات المكيف..
*************** في الحبونية أحد أحياء الرياض العتيقة ....كنا جيرانا.. جيرة من ذلك النوع الاستثنائي الذي لا يمكن أن تراه إلا في ذلك الزمن الجميل ...
كنت وأختي و( هي )نكون ثلاثيا غريبا ...
نحب بعضنا ....ولكن بدون مثالية .... إذ كانت تتسرب إلى هذه المحبة بين حين وآخر عوالم الطفولة وعوالقها : الغيرة والفرحة بخطأ إحدانا ، والابتهاج بتوبيخ الأمهات لها ، والمنافسة والزعل ...
ذلك الزعل الطفولي الذي كانت تنهيه أحيانا ، حين تشبك إصبعي الصغير في إصبعها وتقول : صحيب......... لأستجيب أنا بسرعة ،،،فقد كنت في شوق لاستئناف أنشطتنا....
وكيف للزعل أن يمضي أمره فينا ،ونحن نتقاسم كل شيء....!!
حتى ذلك الطريق الطويل إلى المدرسة.. نتقاسم مسافاته الطويلة.... والنعاس يسحب أقدامنا بتثاقل ...
لم يكن حلما ذلك الطريق....!!
*************
أذكرها جيدا حين أصرت على الاشتراك في حفل الأمهات بالنشيد... لكن صوتك يا (...) لا يناسب .. وتجاهلت كل رأي.... وحين اصطففنا للتدريب ، بدا صوتها غريبا . ضحكنا كثيرا ،إلا هي بالطبع....
وفي لحظة طفولة عفوية ، قررنا أن نصبح تاجرات ...... باشرنا العمل في الحارة ... أنا وأختي وبسطة أمام بيتنا .... تقابلنا (هي) ... والبضاعة (بليلة )...قضى على أكثرها إخوتنا ، وغالبا بالمجان ......
لم تكن حلما تلك الفكرة المجنونة ......!!
***************** واحتفلنا بنجاحك في سطح منزلكم .....
وكان السطح في تلك الأيام أجمل مكان يضمنا ، مع صندوق بيبسي، وقطع صغيرة من الكيك. لم يخرب فرحتنا ذلك اليوم إلا أخوك حين شرب العصير الذي جعلته مفاجأة لنا,,, حينها صببت غضبك علينا ، وطردتنا .. نعم طردتنا، طردت المدعوات ،وضيفة الشرف معهن ..... لكني كنت أحبك وأحب نزقك وغضبك ... ذلك النزق والغضب الذي استحالا حين كبرنا إلى تأمل ودفء وحنان ونقاء،لا يتقنه إلا (أنتِ) فقط......
لم تكن حلما تلك الحفلة الباذخة.....التي انتهت بطردنا ......!!
*************** انتقلت أسرتها من الحبونية إلى اليمامة وهو اسم كان في ذلك الحين يدغدغ مشاعر التمدن فينا ... وكان ذلك سببا قويا لتدل به علينا ..... ( فلة صغيرة وأنيقة ) هكذا كانت تقول ..... وظل هذا حسرة في قلبي إلى أن انتقلنا إلى حي أجمل وأكبر ... ولكننا ظللنا جيرانا... وكأنما حبل وثيق خفي يربطنا معا ،،،،،،لا نراه لكنه يملأ الأفق بيننا وبينهم ....
*******************
في يوم زواجها كانت مضيئة وجميلة ....
تنظر إلي بخوف وخجل ،،،، وأنا مشغولة برفيقة الطفولة التي تحولت بسرعة إلى عروس جميلة ترفل بالبياض.....
عاد ذلك الحبل الوثيق الخفي ليلتف حول زوجها أيضا ...... إذ انتقلت إليه عدوى المحبة أيضا ...... حين أطلب منه أن يحضرني إليكم يوافق بسرعة بدون معارضة ....إنه يحبكم مثلي ...... هكذا كانت تقول ... **************
وآنية الأزهار أمامي وأنا أغلق باب غرفتي ... لأصحب أهلي في مشوار عناء .......
ها أنا ذي في بيت أهلها .... ولكن هذه المرة بدونها ... أول مرة في حياتي أدخله بدونها,,, وكأنما كانت (هي) المغناطيس الذي يجذبنا إليه ... كان ذهابي قطعة من العذاب يلتوي بي .. أوصال جسدي تتحرك وتنفصل عن بعضها ، ثم تعود لتلتئم مرة أخرى وأنا أعاني.. من أواسي ؟؟؟؟؟؟؟ ومن أعزي ؟؟؟؟؟ أنا مكلومة أيضا بحاجة لمن يعزيني..... وحين دفعت الباب .....أحسست أني مدفوعة إلى الخلف ،،،وكأنما أريد التواري ...
*********** ضجيج وصخب .. وأناس كثيرون لا أعرفهم ... ولم تحدثني عنهم ... لا أريد النظر ولا التأمل ،، أريد ظلاما دامسا ,,,,,,,, لأغرق في شلالات دموع..... أسدلت الطرحة على وجهي ،وأبحت صدري لهذا الأسى المخنوق .... لم أدر إلا وواحدة تواسيني .... لقدد سمعت شهيقي ....
لم يكن حلما ذلك العويل ،،،،، !! **************
والأزهار الثلاث ترمقني بهدوء أغلق الباب لزيارة أخرى بعد انتهاء العزاء.... مدفوعة هذه المرة أيضا ...... يحضرون طفلتها لتسلم علينا ،،،،،
ماذا يعني هذا !!حرام عليكم يا ناس,, لم يعد في وسع عيني مزيد من الجلد قلتها في نفسي .... اقتربت طفلتها لتسلم علي أردت أن أحضنها فلم أستطع .... رائحتها علقت في روحي ،،، لم تكن حلما تلك النكهة الأليفة .....
***************
أنظر إلى الآنية من جديد ما بالها :زهرة عملاقة لكنها جاثية في خشوع.. لقد انفصلت عن هاتين... وأستمع إلى أختي تحدثني عن طفلتها....
عذاب الشوق والحنين والبراءة في روح طفلتها .......
تتأمل صورة قطة صغيرة وحيدة...وتسال : هل ماتت أم هذه القطة أيضا؟؟؟؟؟؟؟؟
|