
أغبط هؤلاء الممثلين يلعبون أدوارا غير حياتهم ويعيشون حيوات أخرى تنسيهم ذواتهم ، فيها يبكون ويضحكون ويعشقون يصرخون ويقتلون ويتزوجون ويموتون . ومساء يعودون بذواتهم التي خلعوها لتنام فيهم أو ليناموا فيها . تمنيت أن أكون مثلهم أخلع ذاتي وأرتدي ذاتا أخرى لأبكي وأضحك وأصرخ وأموت ،فأسري عن نفسي وأربك مسيرة يومي المعتاد . ذات مساء لم تضحك فيه نجمة منذ زمن الضفائر المجدولة ، مست رأسي فكرة مجنونة وجريئة : أن أعيش إنسانين يتناوبان في جسد واحد ! يوم أكون فيه أنا ، أقبل رأسي أمي صباحا ، وأرج قنينة دوائها فأجدها فارغة إلا من حبتين ،أحتمل ثرثرة الخالة في مكتبي ، و مصافحة أيدِ باردة وخشنة ، أودع في السيارة هموم عملي لأستردها كل صباح ، آكل سريعا وأنا أنصت لمشاوير والدي الصباحية التي لم تثمر إلا عن تعب، أشرب قهوتي المفضلة سادة وأنا أشاهد روتانا زمان ، أبتسم لخيبات العالم الكبرى وخسائره على طاولات الاجتماعات المستديرة ،أثرثر مع صديقة نندب فيها الحظ ( قل ساعة أو ساعتين !) ، ألملم شكايات شقيقاتي وأمتص حرارة أطفالهم لتعود إلى معدل طبيعي 37درجة مئوية ، أقرأ قصيدة: (مذكرات رجل مجهول ) لصلاح عبدالصبور ، وأردد معه كمريد في الحضرة الصوفيه : الحمد لنعمته من أعطانا ألانختار رسم الأقدار فلو اخترنا لاخترنا أخطاء أكبر وحياة أقسى وأمر وقتلنا أنفسنا ندما ثمن الحرية .. مادمنا أحرار . أرد على هذا الروتين : لديك ( 1رسالة جديدة ) في علبة البريد الالكتروني الخاص بك و1 مكالمة لم يرد عليها ، أتوسد ذاكرتي وأسمي بالله لأنام ولا أنام. يوم آخر أكون فيه إنسانا آخر ، أكون أي شيء سواي ، أتحرر من ذاتي التي أعرفها ، وأستعير ذوات من لا أحبهم فأكونهم ؛ لأجرب كيف تحتضنني الحياة ، وتفتح السماء أبوابها الثمانية لي: سأصافح بابتسامة صفراء ، وأتحدث عن بطولاتي وانتصاراتي التي لايعرفها سواي , سأرسم عينيّ لتبدوا أكبر وبألوان الطاووس ، و حين أقبل جبين أبي لن أمسح شفتي وسأطبع أحمر شفاه صارخ على جبينه ، سأمضع اللبان بشراهة أمام الضيوف ، سأكتب بيوزارات عدة تشهد ألا أحدا أجمل إلا أنا .
توثقت علاقتي بهذه الفكرة وبدت رغبة قوية تبحث عن حيز تتنفس فيه ، وكعادتي في كل شؤوني أحب القراءة عما يشغلني وأقتله بحثا ودرسا قبل مزاولته فاستهلكت يومي في القراءة كثيرا عن أسطورة تناسخ الأرواح في الديانة الهندية القديمة ، و حلول الأرواح في الديانة المسيحية ، والتقمص في الإسلام حين يتلبس الإنس الجان ، ازدحم رأسي بقصص وأدبيات الحلول في الأدب اللاتيني القديم وأفلام الرعب النفسي وأدب الخيال العلمي ؛ لكني لم أفلح في طريقة علمية تسعفني في تقمص ذات أمقتها تسكنني ليوم واحد لأرى كيف يكون قبحي جميلا في عيون الناس! وكيف يحمل غيري ذاتا تردد دائما أنها تطيق ما ينوء بحمله الجبال ! . آآه تعبت ، فلم أجن من هذه الفكرة المجنونة إلا انقباض وقلق من معلومات خرافية وقصص أشباح تستدعي نفسها كلما داعب النوم جفوني و تتجسد كثيرا في غرفتي ؛أحاول نسيانها بالتعويذات فتهرب وتعود! وأهرب منها وأعود ذاتا ممزقة تناوشتها الخرافات وخزعبلات القراءة في عالم الشعوذة .
هذه الليلة ملهمة ،حبلى بالأمنيات المجنونة ، من نافذة غرفتي المطلة على أرض جرداء إلا من نباتات الصبار والسرو ؛ يهتف باسمي صوت رعدي أن أحضر ، فالأرواح نائمة أسفل شجرة الصبار تنتظر( كن لتكون ) أقدم رجلا وأجرأخرى ، ولاأدري هل قدماي تحملاني أم أنني أجرهما فالظلام حالك ومامن ضوء يبدد عتمة هذا القفر الموحش إلا أضواء غرفتي الخافتة .خشخشة أوراق الأشجار اليابسة حين أطأ عليها تربكني أكثر ، وتشدني للخلف بيد أن رغبتي في التقمص تشحذني أكثر وتمضي بي للأمام ،حين استويت خائفة بمواجهة شجرة الصبار ، استطالت أظافري وتحولت إلى أغصان تشبه أظافر الساحرة في الرسوم الكارتونية المتحركة ، فنبشت بها الأرض الخراب وتناثرت أمامي أكياس خضراء وحمراء وزرقاء ورقطاء وسوداء وبيضاء ، كل روح تنام في كيس ، احتضنت كيسا وأطلقت ساقيّ للريح فرحا بأمنية مجنونة توشك أن تكون، ولاأدري هل كنت أمشي على الأرض أم أن قدميّ استحالتا إلى جناحي طائر ، الذي أدريه أنني الآن في غرفتي أحتضن ذاتا ستسكنني بعد قليل ، وأنا أفتح الكيس ... إذا بصوت عذب يهتف باسمي ويمسح العرق المتفصد من جبيني : ـ بسم الله عليك. ـ الحمد لنعمته من أعطانا ألانختار ـ بسم الله عليك ، وش فيك ؟ ـ فلو اخترنا لاخترنا أخطاء أكبر ـ بسم الله عليك ، أذن الفجر ؟ ـ هاه ! هاه ! أذن الفجر ؟ لاأدري الذي أدريه الآن أن ملاءتي الخضراء أشبه بصدفة تحتضنني بحب ، وبين يديّ قنينة دواء أمي ،وكوب قهوة سادة فارغ ، وديوان صلاح عبدالصبور .
د.نوال السويلم..
http://almshhad.net/articles.php?cat=55&id=997 |